الخميس، 9 مارس 2017

سقوف الرغبة والأحلام الورديّة






بقلم: عبدالله دعيس 

قراءة في كتاب (سقوف الرغبة) للكاتب الكبير محمود شقير، وهو مجموعة من القصص القصيرة جدًا صدرت عن مكتبة كل شيء في حيفا عام 2017 وتقع في 174 صفحة من الحجم المتوسط.

يستعير الكاتب محمود شقير شخصيتي قيس وليلى، اللذين عاشا قصّة حرمان وظلم اجتماعيّ، من التراث العربيّ، ويجعلهما الشخصيّتين الرئيسيتين في معظم أقاصيصه، ويلّقي بهما في عالم الأحلام، حيث لا قيود، ويقودهما في دروب شتّى، يحطما القيود التي لا تفتأ تظهر في طريقهما، لكن لا يلبث الحلم أن يتبدد سريعا، ليتلفتا إلى الواقع ثمّ يهربا إلى حلم جديد. 

(سقوف الرغبة) مجموعة قصصيّة مترابطة، ترسم طريق الإنسان الذي تقيّده أغلال العدو وتحيطه قيود الجهل؛ فينطلق في حلم كاسح يتلوه حلم، حيث لا حدود ولا قيود، ليعيش أدوارا لم يستطع أن يقوم بها في واقعه، وليخترق سقوف الرغبة العارمة، في حياة لا تحدها قيود. 

يبني الكاتب من كلماته البسيطة ومضات سريعة، وصورا رائعة مدهشة، تشخّص واقعا، وتحكي عن ماضٍ، وتستشرف مستقبلا ليس في الضرورة مضيئا مشرقا، وإن كانت خيوط الأمل لا تفارقه، ترسم له صورة جميلة إن لم تكن في عالم الواقع فلِمَ لا تكون في الأحلام!

والكاتب يبني قصصه من شخصيّات واقعيّة، وعالم واقعيّ، فهو يذكر أحيانا أماكن معلومة، مثل القدس أو باب العمود، وأحيانا أماكن خياليّة لها معالم واقعيّة، لكنّ هذه الأماكن لها إيحاءات ودلالات رمزيّة، وكذلك هم الشخوص.

ورغم إيجاز القصص وتركيزها، إلا أنها لا تخلو من وصف موجز للمكان، وحوار بين الشخصيّات المغرقة في الرمزيّة. وتتكرّر الرموز في قصة تلو قصّة، حتى تصبح تحكي عن نفسها، وتحلّق بالقارئ في عالم متشعّب، وصور جميلة، ينسجها الكاتب باستخدام حيلة فنيّة لطيفة، ألا وهي أن الشخصيات تحلم، فيستطيع بذلك أن يتخطّى حواجز الأمكنة والأزمنة، ويراوح بين المعقول واللامعقول؛ ليعكس واقعا نراه ونظنّه معقولا، لكن إذا أمعنا فيه وجدناه خارج نطاق المعقول والمقبول، ومستقبلا لا نريد أن يكون بقتامة الواقع، فنحلق فيه بحلم قد لا يتحقّق أبدا، لكن لا بدّ من هذا الحلم، حتّى نستطيع تخطّي ظلمة الحاضر.

وفي الكتاب رموز كثيرة جدّا، قد لا يستطيع القارئ الوصول إلى ما يرمي الكاتب إليه، إلا بعد أن يكرّر القراءة مرّة بعد مرّة، ويرى هذه الرموز تظهر في طريقه مرّة تلو أخرى. فالجنود دائما حاضرون، يقطعون طريق قيس وليلى حتّى في أجمل أحلامهم، وكذلك طائراتهم تخترق السماء، وتمنعهما من التحليق عاليا منطلقَيْن متحرّرَيْن من قيودهم. والجنود رمز للشرّ ورمز للاحتلال الذي يحاصر أحلام أبناء الوطن. والسهل الفسيح يرمز للانطلاق والحرّية، ويقابله الوادي السحيق الذي يشير إلى الأغلال والقيود، وقمّة الجبل ترمز إلى المرتقى الصعب الذي لا بدّ من الوصول إليه. والرصيف هو الطريق الطويل الممهّد الذي قد يقود إلى الحريّة. 

والطفل رمز لبعث جديد ومستقبل مجهول وتجرّد من أثقال الدنيا. لذلك فإنّا نرى الطفل يظهر فجأة ويختفي فجأة، ويختلف قيس وليلى على وجوده، فهو يبدو في الحلم ثمّ يتلاشى، وكأنّ المستقبل الذي يتحدّث عنه الكاتب ليس واضحا ولا مضمونا، تعتريه الشكوك، لكن لا يمكن الاستغناء عن السعي إليه، وإرضاعه من ثديّ الأمّ الذي يرمز للعطاء، حتّى يكبر وينتعش ويخرج من براثن العتمة. 
تتكرّر صورة الببغاء في كثير من القصص؛ لترمز للثرثار الذي يحسن الكلام لكنّه لا يحسن الفعل. والممرّضة، على خلاف ما عُهد عنها كملاك للرحمة، فإنّها في قصص محمود شقير ليست إيجابية، ويبدو أنها ترمز للعين التي ترقب النّاس وتقف في درب أحلامهم. أما العنزة الرعناء فهي مثال للإنسان الجاهل محدود الحلم والوعي. وجسد المرأة وشعرها الأسود الطويل يرمز للجمال، والعريّ يرمز للحريّة والانطلاق. أما الكهل النحيل فهو الإنسان العادي البسيط الذي يكدح للقمة العيش رغم القهر والظلم، ولا يلتفت إليه أحد ولا يعبأ أحد بحلمه، ثمّ يموت في نهاية المطاف تاركا مذكرات لا أحد يهتمّ بمجرّد قراءتها، وكأنّ هذا الإنسان الذي لم يصل طموحة حدّ الانطلاق نحو الحريّة، لا يعني شقاؤه في الحياة شيئا ما لم يتخلَّ عن سلبيّته، ويسعى بقوّة نحو مستقبل واعد، وإلا سيكون مصيره الغياب في طيّات النسيان. وأخيرا فإنّ المطر يرمز دوما إلى الخيّر، يجمع المحبين، ويهطل لذكرى الشهيد، ويغسل القدس من أدران العدو لتبدو بهيّة جميلة.

ويلخّص الكاتب أحلام قيس وليلى وسعيهم للحريّة في (لحظة فرح) لا تطول:
(تعبنا ونحن نحصي مآسينا
وحين ظفرنا بلحظة فرح
ذهلنا، ثمّ أفرطنا في البكاء) ص 137

ويتخلّى الكاتب عن الأحلام لتكون قصتة الأخيرة (حاجز) حقيقة وليس حلما، حيث ينتظر قيس وليلى خلف حاجز لجنود الاحتلال طويلا، لكنّ حركة الحياة خلف الحاجز تستمر، أما "الجنود الغرباء، بدوا متعبين خلف الحاجز، كما لو أننا نحن الذين نحتجزهم هناك." 160ص

عبد الله دعيس
8/3/2017 
ورقة مقدمة لندوة اليوم السابع في القدس الشريف.

الاثنين، 6 مارس 2017

شقق





قصة: محمود شقير 



       نسوة الشقق العشرين التي تقع في أجمل أحياء المدينة، بعد أن أطلقن أطفالهن مثل العصافير إلى مدارسهم، وبعد أن ودعهن أزواجهن عند أبواب الأبنوس بقبل سريعة وتحايا من الأصابع الرشيقة المتراقصة..

 نسوة الشقق العشرين تجمعن في شقة واحدة، للتفرج على فيلم فيديو بذيء استطال إلى ما قبل الظهر بقليل، ثم انصرفن إلى بيوتهن، وهن يتمنين ألا تقع الحرب التي يتحدثون عنها في الإذاعات، قبل أن يعود أزواجهن من مكاتبهم الوثيرة إلى حيث الدفء والطمأنينة في بيوتهم ذات النوافذ الأنيقة المزودة بستائر من قماش مذهب، قادر على صد الحرب ومنعها من الدخول دون استئذان.


الأربعاء، 1 مارس 2017

فراق







*قصة: محمود شقير 


       قضت ثلاث ساعات وهي تغتسل، دعكت جسدها جيداً بالصابون. قضت ساعتين وهي تأخذ زينتها، سرحت شعرها على النحو الذي يحبه هو، قضت الساعة الأخيرة  وهي تنتظر، دون أن تهتدي لشيء يخفف من وطأة القلق.

       في اللحظة الأخيرة، انهمكت في تغيير أغطية السرير، فهو يحب اللون الأبيض. في تلك اللحظة بالذات، وسط انهماكها اللذيذ، دخلوا عليها وهم يحملونه على الأكتاف، ملفوفاً بقماش أبيض مقيت إلى حد الموت.

الجمعة، 17 فبراير 2017

الحكاية






قصة: محمود شقير 


تخرج من رطوبة البيت وفي يدها قفص الببغاء، تضعه فوق رفراف النافذة في شمس آذار البهيجة، ترش العلف على الأرض الملساء لطيور الحمام، تجمع البيض البلدي من قن الدجاج، دون اكتراث لصياح الديك، ثم تمضي إلى حيث تتجمع النسوة الشهوانيات، تروي لهن الحكاية إياها:
       "كيف انحسر الثوب عن فخذها وهي تصعد إلى ظهر الحصان خلف زوجها الذي دعاها إلى الركوب خلافاً لكل تقاليد القبيلة، كيف أخفت فخذها عن الأعين المشبوبة، فيما زوجها الفارس يرخي لحصانه العنان، فينطلق عدواً في السهول الخصيبة، كيف دقت عنق الزوج الفتي، كيف رُضّ ساق المرأة الفضي، بعد أن سقطا عنوة عن ظهر الحصان".


الاثنين، 13 فبراير 2017

معاناة






قصة: محمود شقير 


الرجل الذي هاتف كل أصدقائه هذا الصباح، ثم زارهم واحداً واحداً، وهنأ نفسه أمامهم لأنه محظوظ بصحبتهم، ثم هنأهم أمام زوجاتهم، لأن لهم زوجات رشيقات وأطفالاً لطفاء، الرجل الذي يغبطه الكل على هذا الحشد الذي له من كرام الأصدقاء، الرجل الذي يغبطه الأصدقاء على هذا التوازن والقدرة على احتمال الشقاء، الرجل الذي لم يجد أحداً من حوله في أول هذا المساء، بكى من فرط وحدته، بكى من ألم غامض في الروح، بكى خلسة لأن حزن أصدقائه بحاجة إلى أصدقاء أقوياء.

الأربعاء، 8 فبراير 2017

نزهة




قصة: محمود شقير 




       يجربون غرائزهم المنفلتة في حيطان البيوت وأجساد النساء، يقتلون ويدمرون كل شيء. ولا تطمئن ضمائرهم الميتة، فثمة مآثر أخرى لا بد من اجتراحها.
       يقضمون حلمات أثداء الصبايا الذاهلات – قبل أن يحين موعد قتلهن – مع جرعات الويسكي والعرق، ويرقصون مثل قبيلة متوحشة.

       ثم يغادرون المخيم ترقبهم وجلة من مخبئها زجاجة حليب لم تنكسر، وشمعة قرب جثة الطفل لم يقتلها الرصاص، فظلت تضيء إلى ما بعد الفجر.

الخميس، 2 فبراير 2017

زفاف




قصة : محمود شقير



       الأم البدينة، لم تشأ أن تضيع وقتها ليلة زفاف ابنتها، بالوقوف خلف الباب لاستراق السمع، فتلك عادة قديمة بليت.
       الأم البدينة، جلست تلتهم الطعام اللذيذ في مطبخ العريس الذي لم يُطل الإختلاء بعروسه، فقد سد باب المطبخ بقامته المديدة لحظات قبل أن تنتبه إليه الأم البدينة، وهو يحمل بين ذراعيه جثة ابنتها الرقيقة، معلناً بدون اكتراث – كمن يعلق على الطقس – أنه يكره كل شيء يذكره بالشمع الأبيض ذي البرودة القاتلة التي تثير الأعصاب.