الخميس، 9 مارس 2017

سقوف الرّغبة وعودة الشيخ إلى صباه




بقلم: جميل السلحوت 


صدرت مجموعة "سقوف الرّغبة القصصيّة" للأديب محمود شقير عام 201777، عن مكتبة كل شيء الحيفاويّة، وتقع في 172 صفحة من الحجم المتوسّط.


والأديب محمود شقير أديب كبير غنيّ عن التّعريف، كتب القصّة القصيرة والأقصوصة، قصصا وروايات للأطفال ولليافعين، المسرحية، الرّواية، أدب الرّحلات، مسلسلات تلفزيونيّة وغيرها، وصدرت له عشرات الكتب في صنوف الأدب.



والأديب شقير كاتب متجدّد، ففي كلّ جديد له يدهشنا من جديد، وهذا ما يشاهده القارئ في مجموعة قصصه القصيرة جدّا الجديدة "سقوف الرّغبة"، التي أسرتني بلغتها الشّعريّة، ومضامين بنائها القصصيّ، وهذا ليس غريبا عن أديبنا الذي يعتبر من أشهر كتّاب القصّة العربيّة.
أثناء قراءتي للمجموعة تذكّرت مقولة لأحد الفلاسفة يقول فيها :"يبقى الانسان شابّا ما دام يشعر بذلك، ويشيخ عندما يريد ذلك"، وأديبنا المتميّز شابّ في هذه المجموعة، يكتب عن الحبّ والغزل العذريّ، بل هو قيس يتغزّل بليلى، وليلى هي الأنثى التي يتردّد اسمها في غالبيّة القصص، مع التّأكيد أنّ الكاتب في كتاباته لا يكتب عن ذاته، ويبدو أنّ الكاتب حاول الهروب من الفهم الخاطئ في سحب الشّخصيّات التي يكتب عنها إلى ذات الكاتب، فجاءت القصص على أنّها أحلام ليس أكثر، لكنّها في الأحوال كلّها تبقى درسا في الغزل العذريّ، وما يدور في أذهان العاشقين، تبدأ من النّظرة إلى الابتسامة ومن ثمّ إلى العناق والوصال. وهذا الغزل العذريّ لا اسفاف فيه، لكنّه حالة انسانيّة راقية في فهم العلاقة بين الرّجل والمرأة.



واللافت أنّ الكاتب يتلاعب بجماليات اللغة؛ ليكتب لنا أقاصيص تسرق الألباب. وأديبنا الذي طرح علاقة الرّجل بالمرأة في هذه المجموعة القصصيّة، لم يتخلّ عن حبيبته الأغلى والأعزّ وهي القدس الشّريف فقد افتتح مجموعته القصصيّة باهدائها :" إلى المدينة التي زرعت في قلبي الدّهشة، إلى القدس"ص3.



وكان للقدس نصيب في هذه الأقاصيص، فقد تجوّل فيها ليلى وقيس مرّات تليق بعشّاق المدينة.



في سقوف الرّغبة لا يعكّر صفو العاشقين"قيس وليلى" إلا جنود الاحتلال الذين لا يحترمون خصوصيّات وحرمات النّاس.
 وإذا ما روى لنا التّاريخ أنّ قيس بن الملوّح جُنّ بحبّ ليلى، إلا أنّ قيس وليلى اللذين ابتدعهما الأديب شقير عاقلان يعرفان وشيعلمان ما يريدان، ويظهر أنّهما مدرسة في الحبّ، ومحمود شقير المبدع يجعل من أبسط الأشياء قصّة لافتة مدهشة، وفي قصصه سلاسة وبساطة تحمل في ثناياها خيالا ابداعيّا لا يقوى عليه كثيرون، وللدّلالة على ذلك لاحظوا معي هذه الأقصوصة التي تحمل عنوان "سطح":
" قال لها هنا على سطح الدّار، تحت سماء تسطع فيها النّجوم ويتجلّى القمر بنوره الوهّاج. 



قالت: دعنا ننتظر، لعلّ الغيوم تغطّي السّماء." ص899. 
ولقد استغلّ الكاتب الضّدّيّة المعروفة في القصّ الوجيز بطريقة مذهلة، لاحظوا معي الومضة المعنونة بـ "دروب":
"قالت: خذ كلامك الجميل وقبضة من تراب ولا تخش السّفر.
سافر في دروب قلبها، وهناك، هناك استقرّ." 



ولم ينسَ الكاتب التّحذير من عادات ومعتقدات التّخلّف، ففي قصّة "خداع" ص 10999، تذهب "نوّارة" بنت الثلاثين التي لم يأتها خطّاب صحبة والدتها؛ لتجد حلّا لمشكلتها عند "فتّاح" ، وهناك يفضّ بكارتها بصمت، وأمّها تنتظر في الغرفة المجاورة، وعندما جاءها عريس، عادت إليه أمّها، تطلب حلّا، فقال:" أنا أفكّ الألغاز. جاء إلى بيت الأهل وقال لهم وللعريس:البنت ركبها جنّيّ واستقرّ في جسدها ولا بدّ من اخراجه. قالوا له: أخرجه. 



وهناك بدأ يطرح عليهم مكانا يخرج الجنّ منه مثل العين، الأذن، الحلق الأنف. وفي النّهاية :"قال في حزم ومن دون ارتباك، أخرجه من الموضع الذي لن يبقى على حاله في ليلة الزّفاف.



قالوا: ليخرج الجنّيّ من هناك.
أخرجه وسال دم، كان يخبّئه في زجاجة صغيرة، لم يرها أحد غيره" ص110و 111.



تساؤل: أثناء قراءتي للمجموعة القصصيّة، شعرت وكأنّني أقرأ رواية متسلسلة تحمل أقاصيص عن الحبّ والحياة والقدس. فهل قصد الكاتب ذلك، خصوصا وقد سبق له أن أصدر أقاصيص يمكن قراءتها كرواية، ومنها"القدس وحدها هناك"؟ أم أنّها جاءت عفو الخاطر من أديب متمرّس؟
وفي الأحوال كلّها فإنّنا أمام أديب رائع يكتب أدبا مدهشا. 



20-2-2016

محمود شقير في "سقوف الرغبة": يحلم وينتظر ويلحّ




بقلم: إبراهيم جوهر




في قصصه القصيرة التي حملت عنوانا شاملا هو "سقوف الرّغبة" يواصل الأديب المجدّد "محمود شقير" مشروعه في تطوير أسلوب القصّ بشخصياته ولغته وبيئته المكانية التي صارت هنا في الحلم بعيدا عن الواقع وإن كانت تنطلق منه لتعود إليه. والقارئ الفطن سينتبه لموضوعة "الحلم" التي قادت شخصياتها لتقول وتبوح وتتحاور.

لقد كتب الأديب "محمود شقير" قصصه في هذه المجموعة بمستويات قرائية ثلاثة:

 المستوى القريب للّغة، يليه المستوى البعيد ثم الأبعد دافعا قارئه للتحليل والوقوف عند المعاني المتوارية تلك التي لا تطلّ برأسها لتسلمه نفسها من الوقوف عند قشرة الكلمة والعبارة.

"ليلى" و "قيس" أخذا الحظ الأوفر من قصص المجموعة، ثم الببغاء والكهل الوحيد.

 وبرزت "ليلى" و"قيس" في علاقة غريبة محيّرة فلا الحلم حقيقة ولا الزواج قائم فعلا ولا الحياة مستقرّة منتظمة الإيقاع بل التوتّر والقلق والرهبة من الطريق والجنود والتوقيف يمنع تلك العلاقة المعوّض عنها بالحلم.

تظهر الأحلام بطلا في قصص شقير وهي تزور شخصيتيه الرئيستين: ليلى وقيس.

 والحلم عند الكاتب هو حلم يعبّر عن رغبة بحياة واستقرار وامتداد، لأن الواقع يمنع ذاك الانسجام المرغوب فيه.

وقد جاءت لغة الكاتب شعرية الإيقاع تشير إلى حالة الشوق والرّغبة والحياة.

 في "سقوف الرّغبة" يقدّم "محمود شقير" قصصا تأخذ من الشّعر روحه وإيحاءاته، ومن القدس – الوطن ميدانا ينتظر اكتمال الحلم وتحقّقه، فـ"ليلى" هي القدس، و"قيس" هو ابنها أو عشيقها. وما هذا الانتظار الملحاح وذاك الحلم دائم الحضور سوى دليل على مواصلة التّمسّك بالحلم الباقي في الحرية والحياة.

سقوف الرغبة" لوحات مكتملة مكثفة عميقة كلماتها موزونة بميزان ذهب





بقلم: ديمة جمعة السمان




صدرت مجموعة "سقوف الرّغبة القصصيّة" للأديب محمود شقير عام 2017، عن مكتبة كل شيء الحيفاويّة، وتقع في 172 صفحة من الحجم المتوسّط.
 اصطحبنا الأديب محمود شقير في رحلة إلى (عمق النفس البشرية) من خلال مائة واثنتين وثلاثين قصة قصيرة جدا، كل قصة كانت عبارة عن لوحة ألوانها حروفٌ معجونة بالحكمة، يذوب فيها الحلم بالواقع؛ ليخفف من وطأة الحقيقة، فالحقيقة موجعة، نحن نبكي فيزيد اكتئابنا، فنزيد من جلد ذواتنا، فتتضاعف عذاباتنا، هكذا نقضي عمرنا، ننفر الفرح إن أتى، نستكثره علينا، فنعود نشدّ الترح إلى حياتنا، ألا نستحق أن نفرح؟ وقد عبر عنها الأديب بقصة عنوانها لحظة فرح ص 137.. قال:
تعبنا ونحن نحصي مآسينا 
وحين ظفرنا بلحظة فرح
ذهلنا، ثم أفرطنا في البكاء.
 لوحات مكتملة.. كل حرف في مكانه، لا يزيد ولا ينقص، كلمات موزونة بميزان ذهب، مكثفة، عميقة، ليست لحوحة، تترك مساحة كافية للقاريء؛ ليصول فيها خياله ويجول، فيكمل نسج القصة بخيوط تتدلى من حاجته، فيرضى. 
 في مجموعته كان الحلم سيّد الموقف، والخيال كان الأرجوحة التي أنستنا أنفسنا وحلقت بنا عاليا؛ لتهبط من جديد، وتعود تحملنا إلى أعلى سماء، فنتوه، لا ندري أين نحن! لحظات نحتاجها لترتد إلينا الروح من جديد.
 جاءت ليلى ومعها قيس، والكهل كان أيضا هناك يرقد في إحدى زوايا الوحدة المعتمة ينتظر، ومات الكهل النحيف، كم أحزننا موته!
 الممرضة لم ينساها الأديب، والرصيف والمطر فرضا نفسيهما في معظم القصص، وسمعنا صوت الببغاء أيضا تكرر كعادتها آخر الكلام، الخيول كانت تركض هناك، والأطفال كانوا يبكون ويصرخون، البراءة تشع من عيون مذهولة. 
أمّا القدس فجلست طوال النهار تنتظر، ولا زالت تنتظر، في قصته التي عنونها بِ "انتظار".
 هؤلاء جميعهم كانوا الركائز التي بنى عليها شقير قصصه، وكل ركيزة تحمل من الدلالات الكثير، أظهر من خلالهم المفارقات، فلم يترك الأديب شاردة ولا واردة إلا تطرّق لها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
 "ليلى" تعددت دلالاتها في قصصه، كانت تارة (ليلى قيس)، وكانت تارة أخرى (ليلى والذئب)، وكانت تارة المرأة الضحية، وكانت الملجأ، وكانت الحكيمة، وكانت الصمود والتحدي، ولكنها مجتمعة احتواها العنوان الأكبر( حواء). وقيس كان (آدم) بهما يعمر الكون، ويتحقق الحلم.
اعتدنا على الصخب، ففي صفحة 1388 ( سوق الحدادين)، عبر شقير عن حاجتنا للصخب، حتى عندما نبحث عن حلم مريح، فالصمت يخيفنا، والهدوء يرعبنا، فلم تجد البطلة نفسه وراحتها إلا في سوق الحدادين، هناك على صخب النحاس وأوعية الحديد استرخت وذهبت في نوم عميق.
 أمّا واقعنا الأليم مع الاحتلال وجنوده، فكان يطل علينا من بين الكلمات، يذكرنا أننا لا زلنا تحت نير الاحتلال، ولا زالت الحواجز العسكرية موزعة في كل مكان، في البرد والحرّ، والجنود ينكلون بنا، يرهقوننا باجبارنا على الانتظار، ولكنهم غير سعيدين، يقبعون خلف الحواجز ينتظرون أيضا، هم يشعرون أننا نحن من يحتجزهم، فالتعب نال منهم أيضا.
 خصص الأديب لها قصة بعنوان (حاجز)، قصد أن يضعها في آخر المجموعة، ليعيدنا من حالة الحلم إلى الواقع، فلا زال الوطن يختنق بالحواجز ينتظر الحرية.
 8-3-2017

سقوف الرّغبة واللغة الشّعرية




بقلم: محمد عمر يوسف القراعين




صدرت مجموعة "سقوف الرّغبة القصصيّة" للأديب محمود شقير عام 20177، عن مكتبة كل شيء الحيفاويّة، وتقع في 172 صفحة من الحجم المتوسّط.



 يحق لكل فرد أن يحلم كما يريد، وكيف يريد ومتى يريد، وكثيرا ما يرى الواحد سحابة في السماء، يتخيل فيها أسدا يهاجم فيلا، وفي الصحراء يتصور السراب واحة غناء، والأحلام في السابق أوجدت الآلهة القديمة للشعوب المختلفة. وفي الآداب العالمية كُتبت مسرحيات وروايات، مثل حلم ليلة في منتصف الصيف لشكسبير، كما نقل مارلو الأديب الانجليزي، عن جوته مسرحية دكتور فاوست، الذي باع نفسه للشيطان، مقابل أن يعيش بعض الوقت مع ربات الجمال، مثل فينوس وديانا وبعض العظماء، وبعدها يأتي الطوفان وصنوف العذاب.
 أما صديقنا الأديب محمود شقير، فقد دخلت حوريته حلمه بلا استئذان، مع أنها لم تكن دخيلة عليه، فقد عرفها تبيع ورق الدوالي بالقرب من باب العمود، كما هي عادة بعض النساء، مع أنها معلمة في مدرسة، والشغل الإضافي ليس عيبا ولا طمعا، لأن دخل المعلمين في الضفة لا يكفي. راقت له وراق لها، وعندما أخذ الليل يوزع عتمته على الأمكنة، تسللت فوجدها مستلقية إلى جواره، فعرف أن اسمها ليلى. ربما لم يكن الاسم بالصدفة، بل كان تيمنا بليلى العامرية أو ليلى الأخيلية. وهنا رافقها في أحلامهما في حوالي مائة وثلاثين مشهدا أو يزيد، مُشَكلةً قصة متكاملة أو حدوتة، في السوق وفي الجو والبحر، والبر مع الغنم والأرانب، في القدس في الفنادق وحتى المستشفيات، في مختلف فصول السنة. تدفئه وهو يرتعد من برد شديد، ويعاملها بالمثل إذا جاءت والمطر يبلل شعرها، فهي سكن له وهو سكن لها. 



 هي مثال لجمال المرأة في نظره، حيث يخصص مشاهد للتغني بجمالها، فلا حياء في الدين والعلم والأدب، الخدّان لهما حمرة التفاح، والنهدان مربربان، وهي تنشر كفها على صدرها كيلا يندلقان من فتحة الفستان، والردفان رجراجان، والساقان يحدثان هزّة، إذا انكشف بياضهما حين ترفع ذيل الفستان، وهنا يأتي فضل الجلباب عندنا مع أن الأصل في العودة إلى الطبيعة، إذ لم يكن يستر الجسم سوى ورقة تين، فالملابس وجدت لوقاية الجسم من الحر والبرد. ليلى رقيقة في نشر الغسيل، تحنو على الحبل الذي يشعر بالدفء، حتى أن حبل الجيران يغار ويتأوه، و الحصان يفك قيده ليدخل في حلمها، صريحة في التعبير عن رغباتها، تخلع ثوبها مثل مهرة تشتهي الطراد، لا تنتظر حتى يأتي وينزع ثوبها كما هي العادة.



 ليلى تساعد الكاتب لطرق نواح عدّة من حياتنا، بالنقد والتلميح والتصريح، ففي علاقته معها يذكر أن الحياة تكتمل بالجنسين، الرجل والمرأة، الولد والبنت فلا يستغني أحد عن الآخر، وأن المرأة تحلم بالأطفال حولها، فعاطفة الأمومة موجودة في كل النساء حتى المرأة العاقر، والبنت تنتظر فتاها على ظهر حصان، وإذا تأخر يستعجله البعض عن طريق الفتاحين الدجالين، الذين يعيثون في جسد العذراء فسادا بحجة إخراج الجني، وأن زواج المحبين يتعثر لأنها تنتظر كلمة منه، وهو ينتظر كلمة من أهلها، كما أن الأهل يقيسون الخاطب حسب مقاييسهم، ولا يفهمون البنت حين ترفضه. تزيد نسبة العنوسة عندنا بين المتعلمات، حيث تُطَمئنُ المرأة النفس أن الوقت لم يفت بعد، وهي تتلهى بالاحتفاظ بمريول المدرسة، متوهمة أنها لا تزال صغيرة. عادةً، المرأة المتعلمة لا يعجبها العجب، وتطمح للأفضل الذي من الصعب أن يأتي في مجتمع لا يشجع الاختلاط بين الجنسين، وعلينا أن نقبل أعذار المرأة، فإذا تزحلقت، فالحق على البلاط وليس على الكعب العالي. أما حفلات العرس المنفصلة فهي كئيبة، حيث المرأة تتصل بزوجها بالتيليفون بدلا من أن يكون بجانبها بشكل طبيعي. 



 كل شيء يسير بشكل هادئ ومريح في رواحهم وغدوهم؛ هي تفهم أنه يحب القدس التي تنتظر الحماة، لذلك قصّت شعرها وزرعته في ثنايا سور المدينة، فأبهجه كلامها لأن أصل المرافقة الموافقة. غير أن ما يعكر صفوهم وهم يحتفلون، ظهور المستوطنين والجنود وهم يطلقون النار، مع أنهم يعرفون أننا سنظل نغني ولا نموت، كما أن وجود الجنود الغرباء لا يشجع النساء على الإنجاب، وأبناء الأسري لا تزال أيديهم ممدودة في الفراغ لعل آباءهم يأتون لإيصالهم إلى المدرسة، والاستشهاد أصبح عادة، إن لم يكن الابن فابن الجيران.



 وأخيرا جاء دور الأمنيات بالعيد، الذي نراه ولا نراه، وبوطن حر خالص من رجس الغرباء من أقصاه إلى أقصاه، لا ينازعنا عليه أحد، وهواءٍ نظيف خال من الدخان والغاز. كل هذا كان أمام الببغاء، التي كانت تردد بطريقة ببغائية، يفهم منها أن هذا في الأحلام، وحتى الماء الصالح للشرب غير الملوث موجود فقط في السماء. 



 اللغة جميلة شعرية وسلسة، الإيجاز يُغني فيها عن الإطالة، استُعمل فيها ما تسمونه بالتناص بصورة خفية، لم ألحظه إلا بإشارة الكاتب لمؤلفي هذه الكتب الثلاثة.

سقوف الرغبة والأحلام الورديّة






بقلم: عبدالله دعيس 

قراءة في كتاب (سقوف الرغبة) للكاتب الكبير محمود شقير، وهو مجموعة من القصص القصيرة جدًا صدرت عن مكتبة كل شيء في حيفا عام 2017 وتقع في 174 صفحة من الحجم المتوسط.

يستعير الكاتب محمود شقير شخصيتي قيس وليلى، اللذين عاشا قصّة حرمان وظلم اجتماعيّ، من التراث العربيّ، ويجعلهما الشخصيّتين الرئيسيتين في معظم أقاصيصه، ويلّقي بهما في عالم الأحلام، حيث لا قيود، ويقودهما في دروب شتّى، يحطما القيود التي لا تفتأ تظهر في طريقهما، لكن لا يلبث الحلم أن يتبدد سريعا، ليتلفتا إلى الواقع ثمّ يهربا إلى حلم جديد. 

(سقوف الرغبة) مجموعة قصصيّة مترابطة، ترسم طريق الإنسان الذي تقيّده أغلال العدو وتحيطه قيود الجهل؛ فينطلق في حلم كاسح يتلوه حلم، حيث لا حدود ولا قيود، ليعيش أدوارا لم يستطع أن يقوم بها في واقعه، وليخترق سقوف الرغبة العارمة، في حياة لا تحدها قيود. 

يبني الكاتب من كلماته البسيطة ومضات سريعة، وصورا رائعة مدهشة، تشخّص واقعا، وتحكي عن ماضٍ، وتستشرف مستقبلا ليس في الضرورة مضيئا مشرقا، وإن كانت خيوط الأمل لا تفارقه، ترسم له صورة جميلة إن لم تكن في عالم الواقع فلِمَ لا تكون في الأحلام!

والكاتب يبني قصصه من شخصيّات واقعيّة، وعالم واقعيّ، فهو يذكر أحيانا أماكن معلومة، مثل القدس أو باب العمود، وأحيانا أماكن خياليّة لها معالم واقعيّة، لكنّ هذه الأماكن لها إيحاءات ودلالات رمزيّة، وكذلك هم الشخوص.

ورغم إيجاز القصص وتركيزها، إلا أنها لا تخلو من وصف موجز للمكان، وحوار بين الشخصيّات المغرقة في الرمزيّة. وتتكرّر الرموز في قصة تلو قصّة، حتى تصبح تحكي عن نفسها، وتحلّق بالقارئ في عالم متشعّب، وصور جميلة، ينسجها الكاتب باستخدام حيلة فنيّة لطيفة، ألا وهي أن الشخصيات تحلم، فيستطيع بذلك أن يتخطّى حواجز الأمكنة والأزمنة، ويراوح بين المعقول واللامعقول؛ ليعكس واقعا نراه ونظنّه معقولا، لكن إذا أمعنا فيه وجدناه خارج نطاق المعقول والمقبول، ومستقبلا لا نريد أن يكون بقتامة الواقع، فنحلق فيه بحلم قد لا يتحقّق أبدا، لكن لا بدّ من هذا الحلم، حتّى نستطيع تخطّي ظلمة الحاضر.

وفي الكتاب رموز كثيرة جدّا، قد لا يستطيع القارئ الوصول إلى ما يرمي الكاتب إليه، إلا بعد أن يكرّر القراءة مرّة بعد مرّة، ويرى هذه الرموز تظهر في طريقه مرّة تلو أخرى. فالجنود دائما حاضرون، يقطعون طريق قيس وليلى حتّى في أجمل أحلامهم، وكذلك طائراتهم تخترق السماء، وتمنعهما من التحليق عاليا منطلقَيْن متحرّرَيْن من قيودهم. والجنود رمز للشرّ ورمز للاحتلال الذي يحاصر أحلام أبناء الوطن. والسهل الفسيح يرمز للانطلاق والحرّية، ويقابله الوادي السحيق الذي يشير إلى الأغلال والقيود، وقمّة الجبل ترمز إلى المرتقى الصعب الذي لا بدّ من الوصول إليه. والرصيف هو الطريق الطويل الممهّد الذي قد يقود إلى الحريّة. 

والطفل رمز لبعث جديد ومستقبل مجهول وتجرّد من أثقال الدنيا. لذلك فإنّا نرى الطفل يظهر فجأة ويختفي فجأة، ويختلف قيس وليلى على وجوده، فهو يبدو في الحلم ثمّ يتلاشى، وكأنّ المستقبل الذي يتحدّث عنه الكاتب ليس واضحا ولا مضمونا، تعتريه الشكوك، لكن لا يمكن الاستغناء عن السعي إليه، وإرضاعه من ثديّ الأمّ الذي يرمز للعطاء، حتّى يكبر وينتعش ويخرج من براثن العتمة. 
تتكرّر صورة الببغاء في كثير من القصص؛ لترمز للثرثار الذي يحسن الكلام لكنّه لا يحسن الفعل. والممرّضة، على خلاف ما عُهد عنها كملاك للرحمة، فإنّها في قصص محمود شقير ليست إيجابية، ويبدو أنها ترمز للعين التي ترقب النّاس وتقف في درب أحلامهم. أما العنزة الرعناء فهي مثال للإنسان الجاهل محدود الحلم والوعي. وجسد المرأة وشعرها الأسود الطويل يرمز للجمال، والعريّ يرمز للحريّة والانطلاق. أما الكهل النحيل فهو الإنسان العادي البسيط الذي يكدح للقمة العيش رغم القهر والظلم، ولا يلتفت إليه أحد ولا يعبأ أحد بحلمه، ثمّ يموت في نهاية المطاف تاركا مذكرات لا أحد يهتمّ بمجرّد قراءتها، وكأنّ هذا الإنسان الذي لم يصل طموحة حدّ الانطلاق نحو الحريّة، لا يعني شقاؤه في الحياة شيئا ما لم يتخلَّ عن سلبيّته، ويسعى بقوّة نحو مستقبل واعد، وإلا سيكون مصيره الغياب في طيّات النسيان. وأخيرا فإنّ المطر يرمز دوما إلى الخيّر، يجمع المحبين، ويهطل لذكرى الشهيد، ويغسل القدس من أدران العدو لتبدو بهيّة جميلة.

ويلخّص الكاتب أحلام قيس وليلى وسعيهم للحريّة في (لحظة فرح) لا تطول:
(تعبنا ونحن نحصي مآسينا
وحين ظفرنا بلحظة فرح
ذهلنا، ثمّ أفرطنا في البكاء) ص 137

ويتخلّى الكاتب عن الأحلام لتكون قصتة الأخيرة (حاجز) حقيقة وليس حلما، حيث ينتظر قيس وليلى خلف حاجز لجنود الاحتلال طويلا، لكنّ حركة الحياة خلف الحاجز تستمر، أما "الجنود الغرباء، بدوا متعبين خلف الحاجز، كما لو أننا نحن الذين نحتجزهم هناك." 160ص

عبد الله دعيس
8/3/2017 
ورقة مقدمة لندوة اليوم السابع في القدس الشريف.

الاثنين، 6 مارس 2017

شقق





قصة: محمود شقير 



       نسوة الشقق العشرين التي تقع في أجمل أحياء المدينة، بعد أن أطلقن أطفالهن مثل العصافير إلى مدارسهم، وبعد أن ودعهن أزواجهن عند أبواب الأبنوس بقبل سريعة وتحايا من الأصابع الرشيقة المتراقصة..

 نسوة الشقق العشرين تجمعن في شقة واحدة، للتفرج على فيلم فيديو بذيء استطال إلى ما قبل الظهر بقليل، ثم انصرفن إلى بيوتهن، وهن يتمنين ألا تقع الحرب التي يتحدثون عنها في الإذاعات، قبل أن يعود أزواجهن من مكاتبهم الوثيرة إلى حيث الدفء والطمأنينة في بيوتهم ذات النوافذ الأنيقة المزودة بستائر من قماش مذهب، قادر على صد الحرب ومنعها من الدخول دون استئذان.


الأربعاء، 1 مارس 2017

فراق







*قصة: محمود شقير 


       قضت ثلاث ساعات وهي تغتسل، دعكت جسدها جيداً بالصابون. قضت ساعتين وهي تأخذ زينتها، سرحت شعرها على النحو الذي يحبه هو، قضت الساعة الأخيرة  وهي تنتظر، دون أن تهتدي لشيء يخفف من وطأة القلق.

       في اللحظة الأخيرة، انهمكت في تغيير أغطية السرير، فهو يحب اللون الأبيض. في تلك اللحظة بالذات، وسط انهماكها اللذيذ، دخلوا عليها وهم يحملونه على الأكتاف، ملفوفاً بقماش أبيض مقيت إلى حد الموت.