الأحد، 4 فبراير 2018

السؤال





*قصة: محمود شقير

تلك المرأة ذات القوام الممشوق، في بيتها الريفي الواقع على طرف الشارع الذي يذهب نحو الجنوب، استيقظت من نومها ذات صباح، ذهبت إلى الزريبة لتطمئن على البقرة، قدمت لها العلف وعادت لتوقظ زوجها كي يستعد للذهاب إلى عمله في المصنع الكبير في المدينة المجاورة.
        تلك المرأة المثابرة، أيقظت ولديها وهيأتهما للذهاب إلى المدرسة، ثم راحت تكنس ساحة بيتها وهي تحاذر أن يندلق نهداها من فتحة الفستان.
      تلك المرأة التي عينها مثل فتحة الفنجان، توقفت عن الكنس لحظة، رنت بعينيها إلى الحافلة التي تقل فوج السياح، فيما الحافلة تتوقف لحظة عند المنعطف. وقعت عيناها دون قصد على عيني ذلك الرجل الذي لم يشبع بعد من متعة السفر،  ابتسم لها وابتسمت له دون وجل.
      ذلك الرجل، ما زال يسأل نفسه: ما الذي فعلته المرأة بعد أن انتهت من كنس الساحة؟ هل بقيت واقفة هناك أم اتجهت الى المطبخ أو الى غرفة النوم؟ هل غسلت صحونها في المجلى أم اضطجعت بعض الوقت في فراغ السرير؟  وهل تتذكره مثلما يتذكرها الآن؟
      ويحيره السؤال: هل ما زالت تلك المرأة على قيد الحياة بعد تلك السنوات الطوال؟


الأربعاء، 24 يناير 2018

تمزق





*قصة: محمود شقير

         وحده في البيت، والليل لا يسمح بأي تواصل، والمطر ينقر زجاج النافذة دون انقطاع. وهو وحيد، وأخته التي ماتت البارحة بعد مرض عضال، تنام في قبرها ولا تسمع صوت المطر، وأمه تنام في بيتها المنعزل ، أو ربما هي لا تنام ، ولعلها جالسة في فراشها تبكي ابنتها المتوفاة.

         وأخته الأخرى تنام الآن في بلد بعيد، أو ربما لم يعرف النوم طريقه إلى جفنيها. أخبرها على الهاتف وهو يشرق بدموعه، أن أخته ماتت. بكت الأخت الأخرى وحمل الهاتف إليه صوت البكاء. بكت لأن أختها لم تظفر طوال حياتها بزوج وأطفال.

         وأبوه يلملم عظامه ويصحو على ابنته التي دفنت إلى جواره، يسألها عن الأهل والأحباب، فلا تجيبه لأنها ما زالت تحلم بأنها لم تتحرر بعد من مرضها العضال.

        وهو الآن وحيد، يشفق على والده الذي لا يعرف أن العائلة تمزقت من بعده، ولم يعد أحد فيها يلتفت إلى أحد إلا حينما يحضر الموت. والوالد يلح على ابنته المتوفاة بالسؤال، وهي لا تجيبه لأنها تريد أن تمارس موتها مثلما تشاء.

       والمطر الذي ينقر الزجاج يتوقف بغتة، وهو لم يعد وحيداً في هذا الليل الجائر، فها هو ذا والده، يقترب منه بغتة، يربت على كتفه برفق، ويجلس على الكنبة إلى جواره حتى الصباح .



الجمعة، 12 يناير 2018

فستان



قصة: محمود شقير

كان ذلك في زمان مضى.
          لا كره ولا بغضاء، والناس بسطاء تماماً، والنساء طيبات، والأطفال على قدر كبير من النباهة، والكلاب لا تنبح إلا على نحو خافت، كيلا توقظ نائماً أو تزعج مريضاً يتقلب في الفراش ، والقطط تنام على الأسوار أو تحت معرشات العنب، دون أن يباغتها طفل مشاغب أو كلب شرس، والفئران لا وجود لها، لأن الأمكنة كانت نظيفة.
          والأرملة التي في الأربعين، لها ولد واحد، ذهب إلى الجامعة البعيدة، ولها بنتان لا تزالان في المدرسة. تعد لهما الأرملة كل صباح طعام الفطور، ثم تمضي نحو حديقة بيتها، تربت على رقبة الكلب الودود، تترك القط نائماً بكل اطمئنان، وتنهمك بعض الوقت في سكب الماء تحت سيقان الورد والياسمين.
         ولا يخرجها من عاداتها اليومية سوى بائع الملابس المتجول، الذي أهداها فستاناً يليق بجسدها المتين، ترددت وقتاً، ولم تجد بداً من الموافقة على قبول الهدية في نهاية المطاف.
         كان ذلك في زمان مضى، الناس بسطاء والنساء طيبات.
         والأرملة أصبحت شريكة للرجل في تجارته، تبيع الفساتين لنساء الحي، وهو في الحديقة يسكب الماء تحت سيقان الورد والياسمين.


السبت، 30 ديسمبر 2017

فرص



قصة: محمود شقير

بنات الحي كلهن تقريباً رفضنه، لأنه أطول مما ينبغي، وأكثر نحافة مما ينبغي.
        انزوى في بيته البائس خمس سنوات. ظل خلالها يقرأ التعاويذ والأدعية، ويمارس طقوساً استقاها من كتب وجدها في مكتبة جده الذي مات.
        خرج الى الحي كائناً جديداً. وبنات الحي كلهن تقريباً رفضنه، لأنه أقصر مما ينبغي، وأكثر بدانة مما ينبغي.
        انزوى في بيته هذه المرة عشر سنوات. خرج إلى الحي كائناً مختلفاً.
         يذكر محياه الوسيم بأبطال الحكايات، وتوحي عضلات صدره وذراعيه، وانسجام قده من رأسه حتى قدميه، بأنه واحد من نجوم السينما المشهورين هذه الأيام.
         بنات الحي كلهن تقريباً تهافتن عليه، كل واحدة منهن تتمناه في السر وفي العلن زوجاً أو عشيقاً، فلم يرقن له، لأنه وجدهن عوانس مترهلات.
         انطلق في أرجاء الدنيا وحيداً، يبحث عن امرأة على هواه.
         وبنات الحي ما زلن جالسات على قارعة الطريق، في انتظار فارس أحلامهن الذي غاب.


الأربعاء، 20 ديسمبر 2017

اشتباك



 قصة: محمود شقير

  
الكهل يجلس قرب الشباك في صالة بيته.
       وثمة شمعة مضيئة على المائدة، تفصل بينه وبين بثينة التي تزوجت قبل عام، والكهل يتناول الطعام متلذذاً به، وبابتسامة بثينة التي لا تفارق شفتيها المكتنزتين.
       وبثينة تأكل، على مهل، الطعام الذي أعده لها الكهل، ولا يبدو عليها أنها سعيدة، لأن أحاسيس غامضة تعذبها، ولا تجعلها مستقرة على حال. تبدي للكهل ندمها لأنها تزوجت بمثل هذا الاستعجال، والكهل يحاول طمأنتها قائلاً: هذه هي الحياة.
       بثينة لا تروق لها حكمة الكهل الباهتة، تقول: قل شيئاً غير هذا يا عمي. يقول الكهل مازحاً بخبث مقصود: عمى يعمي عينيك. بثينة تضحك، ويلذ لها أن تلعب بأعصاب الكهل، تقوده من يده، تجلسه على الكنبة، تتكور في حضنه، تداعب شعر شاربيه باصبعها، والكهل يملس على شعرها بحنان.
       تقول إنها الآن تتذكر طفولتها البعيدة، وهي تجلس في حضن أبيها فتشعر بالأمان، والكهل منزعج من هذا الكلام، وبثينة تقول إنها ترغب في الاغتسال.
       الكهل ينهض وهو يحتضنها بين ذراعيه، يفتح الصنبور لكي يملأ حوض الحمام الأبيض الصقيل بالماء. بثينة تخلع الفستان، تتمدد في الحوض، وتهز فخذيها تحت الماء، والكهل يخلع ثيابه، يقتحم سطح الماء، ويقرفص قرب قدميها الصغيرتين مثل قنفذ بلا أشواك.
        وبثينة لا تعيره أدنى اهتمام.


الأربعاء، 6 ديسمبر 2017

فراق



قصة: محمود شقير

مساء أمس، كان آخر لقاء بينهما.
       التقاها أول مرة وهي في الثلاثين. كان لها زوج تحبه، ولها ولد.
        وقد اعتادت أن ترتدي فساتين فضفاضة قابلة للتطاير من حول جسدها مع أول نسمة هواء، تقول إنها لا تحب ارتداء البنطال لأنه، حسب رأيها، يحد من فضاء الجسد. ولم تحبذ وضع الأصباغ على خديها وشفتيها، تقول إن جمالها الطبيعي أبهى.
       التقاها مرة أخرى وهي في الأربعين. كان لها زوج لا تحبه، ولها أربعة أولاد.
       وما زالت ترتدي فساتين فضفاضة وتنانير قصيرة تكشف عن فخذين لهما حضور أخاذ، وتقول متأسية إنها تبحث عن لحظة انسجام واحدة.
       التقاها مرة ثالثة وهي في الخمسين. قالت له إنها انفصلت عن زوجها، وصارت تملأ خديها بالأصباغ، تسرح شعرها كل يوم تسريحة مختلفة، ترتدي بناطيل تنتمي إلى شتى الموضات، ولم تعد السيجارة تفارق شفتيها المصبوغتين بشتى الأصباغ.
        مساء أمس، التقيا ليشربا القهوة في المقهى الواقع في الشارع الفرعي، ولا يقصده سوى الكتاب والرسامين وبعض المتعبين الذين يحبون التحديق في الفراغ. بدت واجمة حينما قال: هل تذكرين لقاءنا الأول؟
     قالت وابتسامة خفيفة تتشكل على ثغرها: أذكره، طبعاً أذكره. قال متأملا في حياد: مرت منذ ذلك اللقاء عشرون سنة. أضاف: يا إلهي، كم كبرنا! اكفهر وجهها وتلاشت ابتسامتها في الحال، قالت وهي تنهض: أنت تبالغ كثيراً، لقاؤنا الأول لم يكن قبل عشرين سنة.
     حملت حقيبة يدها، وغابت في ظلمة الشارع الذي لا حس فيه ولا حياة.


الجمعة، 24 نوفمبر 2017

الأرملة


قصة: محمود شقير


         ماتت الأرملة.
         ماتت بعد ستين سنة من رحيل زوجها الحبيب.
          صبرت الأرملة على مصابها عشر سنوات، لم يتقدم لها الخطاب لطلب يدها من جديد، ربما لأن لديها أربعة أطفال، وربما لأن ثمة أسباباً أخرى.
      جاءها العشيق دون مقدمات، كان شاباً وسيماً يصغرها بخمس سنوات. رأته وهي تنشر غسيلها على السطح القريب، كان في عينيه ظمأ، وفي عينيها ظمأ.
       لكنه، بعد أقل من سنة، مات.
       قبل موتها، رأت نفسها في حلمها الأخير وهي تخرج متوكئة على العصا نحو السطح القريب، رأت شابين يجلسان على الحافة الملساء، تتعرف عليهما في الحال، تهم بدعوتهما لاحتساء القهوة، وللتحدث، في حياد تام، عما فات.
       غير أنها تقلع عن ذلك، وتعود إلى سرير موتها، وهي تسمع الشابين يسألانها في وقت واحد تقريباً: هل بوسعنا أن نقدم لك خدمة ما، أيتها الجدة الطيبة؟