الثلاثاء، 14 نوفمبر 2017

مقهى


قصة: محمود شقير

         المغني يعزف على آلته الموسيقية المشدودة إلى صدره ويغني.
         يغني في الصالة المحاذية للرصيف، لعله يلفت انتباه المارة، وهم قلة على أية حال.
         الصالة فارغة تماماً، وليس ثمة سوى الطاولات والكراسي، والمغني يواصل الغناء، انصياعاً لرغبة صاحب المقهى الذي يدفع له أجرته كل أسبوع.
         المغني يغني والمقهى فارغ تقريباً، وصاحب المقهى يسائل الرصيف: أين يذهب الناس هذا المساء وكل مساء؟
         يجلس في الركن البعيد، بعيداً عن غناء المغني، ويتخذ قراراً مفاجئاً بينه وبين نفسه، بإغلاق مقهاه، وتحويل المكان إلى متجر لبيع مواد البناء.
         البنت التي تعمل في المقهى، تتلمس ثنية بنطالها القصير وهي تصغي للغناء الذي يصلها خافتاً من الصالة، تنقل ساقيها في حركة راقصة وهي واقفة خلف الكاونتر، تتأمل حركة الساقين اللذين يهتزان في اتساق، تشعر بالسأم لأنها لا تطيق الوقوف خلف الكاونتر أكثر من دقيقتين متتابعتين.
         البنت، في لحظة عاصفة، تتخذ قراراً بفسخ خطوبتها من خطيبها ذي الأذنين الطويلتين، لا لسبب إلا لأنه ثقيل الدم، ثرثار.
         البنت تقول: سيأتي إلى هذا المقهى ذات مساء، رجل بمواصفات أخرى، يلفت انتباهها بكلامه العذب وحركاته الرشيقة المدروسة، فيهواها وتهواه.



الثلاثاء، 31 أكتوبر 2017

رائحة

 
  
 قصة: محمود شقير

   
ينام في السرير وحده.
        القميص والمعطف الشتوي صامتان. القبعة والمظلة تراقبانه في حذر.
        وفي الخارج تجلس النسوة المتألقات تحت الشمس، يتمتعن بأول نسائم الربيع، غير أن رائحة ما تتسرب إلى أنوفهن، فلا ينشغلن بها كثيراً، فقد يكون الزبال نسي شيئاً ما يتعفن في الجوار.
        القميص ساكن على المشجب، والقبعة تبكي، والجيران يتذكرون فجأة _ وهم يضيقون ذرعاً بالرائحة _ أنهم لم يروا جارهم الغريب منذ أيام. رجال الشرطة يخلعون الباب: الرجل نائم في السرير وحده، وعيناه شاخصتان نحو السقف البليد.
        والنساء في الخارج يسلمن أنفسهن بطواعية، لهواء الربيع.


الخميس، 19 أكتوبر 2017

نزهة



قصة: محمود شقير

        آخُذُني إلى نزهة في شوارع المدينة.
        الوقت مساء، والمدينة عامرة ، وفي شوارعها رجال ونساء، والهواء الرخي يلامس الوجوه برقة، ويمضي لشأنه دون كلام، فأظل متذمراً من شيء ما.
       آخذني إلى مطعم يقدم الوجبات الشهية في الهواء الطلق، وتقوم على الخدمة فيه نادلات يتحركن برشاقة وانسجام، تلتمع على خدودهن أضواء المصابيح الملونة، ولا أشعر بارتياح.
      آخذني إلى المرقص الذي ترقص فيه أجمل النساء، أخذني إلى البحر، إلى الغابة الممتدة، إلى الشلالات،  آخذني إلى المكتبة العامة، إلى معرض الفنون الجميلة، إلى القاعة التي تعرض مسرحية ساخرة
     آخُذُني إلى بيت أمي وأبي.
     نستعيد معاً بعض الذكريات، نضحك قليلاً، ينتابنا الحزن بعد ذلك بلحظات، نصمت كأننا استنفدنا الحكايات، أخرج، وأظل جالساً وحدي حتى منتصف الليل، أضجرُ مني.
     آخذني إلى قمة الجبل الذي تغطيه الثلوج، أقول لي: ابق هنا، سأغيب عنك ساعة واحدة ثم أعود.
      أغادر الجبل، أهبط إلى جوف المدينة، أدخل الحانة الشهيرة، أحتسي زجاجة نبيذ كاملة، ولا أخرج من الحانة إلا بعد منتصف الليل بقليل.
     أنسلّ إلى بيتي وأنا مشفق عليّ، لأنني تركتني على قمة الجبل المغطى بالثلوج. أفتح باب بيتي بحذر كي لا أزعج الجيران، تجتاحني لحظة صحو حارقة، وأنا أراني قد عدت للتو من قمة الجبل، وهاأنذا أجلس في ركن البيت، أتلفع بمعطف سميك، أسعل من وطأة البرد، وعيناي تلتمعان.



الأربعاء، 11 أكتوبر 2017

مطر



قصة: محمود شقير
ينزل المطر في المساء هادئاً، مثابراً.
يغسل أعمدة المصابيح وإسفلت الشوارع.

المرأة تعد الشاي في المطبخ، تكتم أحزانها كالمعتاد، والرجل، وراء الزجاج، يرقب المطر، يتأسى على منظر الخلق الذين يظهرون ثم يختفون راكضين كأنهم ممثلون فوق خشبة مسرح. تناديه المرأة إلى الصالة كي يشرب شايه، وتحرص على ألا يظهر في صوتها ما يعكر المزاج.


يسدل الرجل الستارة على المشهد الشفاف، يجلس قبالة المرأة التي تحوك الصوف، وفي داخله ينهمر المطر، وليس ثمة كلام

السبت، 30 سبتمبر 2017

الشجرات الثلاث



قصة: محمود شقير

الشجرات الثلاث، اللواتي يتجاورن منذ سنوات طويلة في الساحة الكبرى، التي تجري فيها الاحتفالات، الشجرات الثلاث كن طوال المساء، يتهامسن بحذر دون أن يجعلن أحداً من المحتفلين، يعرف ما يدور بينهن من كلام. الشجرات الثلاث، بعد أن انتصف الليل، خلعن أرديتهن ورحن يتثاءبن في هدوء الخريف مثل نساء متعبات، وتظاهرن بالرغبة الملحة في النوم.
         الشجرات الثلاث، بعد أن عاد المحتفلون إلى بيوتهم، وغطت المدينة في نوم ثقيل، غادرن المدينة، لأن أحداً لم يشاورهن في أمر الاحتفال، ولم يحفل بهن أحد.
          غادرن المدينة، بحثاً عن قمة جبل بعيد، غير آبهات لريح الجبل التي تقتلع الأشجار.


الأربعاء، 20 سبتمبر 2017

مقبرة



قصة: محمود شقير

 
        في الصباح الباكر من شهر تشرين الثاني، تدلف المرأة إلى المقبرة في حذر شديد، كي لا توقظ عريسها الذي اغتاله الرصاص، بعد ثلاثة أسابيع من زفافهما اللذيذ.
        تجلس عند شاهدة القبر، ومعها علبة فيها حلوى كان يحبها، عريسها الحبيب. تنتظر الوقت المناسب، لكي تقدم له الحلوى.
        كان عريسها في تلك اللحظة، يغط في موت عميق، وبجواره تماماً، أربعون شهيداً آخر لا ينتظرون أحداً، ولا يعرفون أن ثمة زوجات وأمهات، يسرن الآن على دروب الصباح الباكر، تحت المطر، ومعهن الكثير من الحلوى، لأحبة يمعنون في موتهم ولا ينهضون.



الخميس، 14 سبتمبر 2017

مفارقة



قصة: محمود شقير



        يبحث عن لحظة جمال خارقة، تهب حياته معنى ما.
        منذ سنوات وهو يعزل نفسه في صومعة، يبحث في الكتب عن شيء ما، يضنيه البحث، حتى لا تعود عيناه قادرتين على التقاط الحروف.
        خارج الصومعة، في الوقت نفسه، جبال شامخة، تبدو في ساعات الأصيل، كما لو أنها تتأهب للذهاب إلى احتفال مهيب، في مكان ما فوق هذه المعمورة.
       خارج الصومعة، نساء يرتدين أجمل الثياب، تأهباً لسهرة خارج البيت، سهرة مليئة بكل الاحتمالات التي تهب الحياة مذاقاً لا يتكرر في كل حين.
       خارج الصومعة، خيانات صغيرة وأخرى كبيرة، يجري ترتيبها على نار هادئة. وعيون متلهفة قادرة على رؤية كل التفاصيل العذبة التي يزخر بها هذا الكون، ومن ضمنها بطبيعة الحال، تلك الصومعة التي يفني نفسه داخلها، رجل يحاول تكثيف ما في الكون من جمال، في كتاب زاخر بالتفاصيل، أو في جملة واحدة، لها قدرة فذة على البقاء.