الخميس، 5 أبريل 2018

أسى

   


 قصة: محمود شقير

  قال وهو يسعل في فضاء غرفته الباردة: لولا أنها تزوجت من صديقي لتزوجتها. قال ذلك بصوتٍ عالٍ لاعتقاده أنه يتحدث إلى عدد من أصدقائه الذين عرفهم طوال سنوات، غير أنه كان يحدث نفسه، إذ لم يعد يزوره أصدقاؤه بعد أن تخلوا عنه واحداً إثر آخر.
       قال: كنا نحبها معاً، ونشتهي دون مواربة جسدها الريان. نتحدث عن كنوز جسدها، كلما خطرت بالبال.
       كانت تغمز لي بعينها كلما رأتني، وتغمز لصديقي بعينها كلما رأته. كان صديقي أبرع مني في اغتنام الفرص. فاتحها بأمر حبه لها، اتفقا على الزواج، فتزوجا وأنجبا عدداً من البنين والبنات.
        في تلك الأثناء تزوجتُ عدة زيجات انتهت كلها بالطلاق لهذا السبب أو ذاك.
        قبل أيام، ذهبت إليها أعرض عليها الزواج بعد ثلاثة أشهر من وفاة زوجها، الذي لم يزهد في صداقتي إلا قبل عام.
       قال: رفضتني لأنني _ كما قالت _ أذكرها بعهد الشباب الذي ولى وغاب.


الأحد، 18 مارس 2018

عيد ميلاد



قصة: محمود شقير

      تصحو المرأة من نومها متأخرة.
      فقد سهرت طوال الليلة الماضية، مع الصديقات والأصدقاء، بمناسبة عيد ميلادها الأربعين.
      تنهض من سريرها، تتجه نحو الصالة وهي تشعر بالغثيان، ولا تروق لها الفوضى التي خلفتها ليلة البارحة، في الصالة التي تفتقر الآن للنظام. كان لا بد من إزاحة الكراسي والكنبايات، لإيجاد حيز معقول للراقصين والراقصات.
      رقصت المرأة باندفاع وسط إعجاب الجميع، ثم انطرحت في فراشها متعبة، بعد أن ودعتهم عند الباب.
       الآن، عليها أن تعيد الكراسي والكنبايات إلى وضعها السابق، وعليها أن تحضر سلة النفايات، لتفريغ المنافض الزجاجية من أعقاب السجاير ومن قشور الفستق، وعليها أن تخفي زجاجات البيرة الفارغة عن أعين الجيران.
       والمرأة الآن، تجلس فوق إحدى الكنبايات، تضع ساقاً على ساق، تضرب بقدمها الترابيزة دون قصد، تسقط من فوقها زجاجة فارغة، تحدث في فضاء الصالة، وهي تنكسر، ضجيجاً لا تحتمله المرأة، ولا تحتمل في الوقت نفسه، التفكير بأن كل ما جرى، الليلة الفائتة، من صخب فتَّان، قد أصبح ملكاً للماضي الذي يوغل كل لحظة في الابتعاد


الأحد، 25 فبراير 2018

السوق



قصة: محمود شقير


       ذهبت وحدها إلى السوق.
       كان السوق غاصاً بالخلق من كل الأشكال.
       ذهب وحده إلى السوق.
       كان السوق خالياً، وليس من أحد سوى حارس عجوز يقف أمام بوابة مبنى مغلق.
       قالت له فيما بعد: انتظرتك عند أول السوق. قال لها: انتظرتك عند آخر السوق. حدقت فيه بنظرة اتهام، حاول إقناعها بأنها هي أساس الخطأ. في تلك اللحظة، مر الحارس العجوز، حدق فيهما لحظة ومضى دون كلام.
       تلمست المرأة ساقها من خدر طارئ، وابتعدت مثل سهم في الظلام.


الأحد، 4 فبراير 2018

السؤال





*قصة: محمود شقير

تلك المرأة ذات القوام الممشوق، في بيتها الريفي الواقع على طرف الشارع الذي يذهب نحو الجنوب، استيقظت من نومها ذات صباح، ذهبت إلى الزريبة لتطمئن على البقرة، قدمت لها العلف وعادت لتوقظ زوجها كي يستعد للذهاب إلى عمله في المصنع الكبير في المدينة المجاورة.
        تلك المرأة المثابرة، أيقظت ولديها وهيأتهما للذهاب إلى المدرسة، ثم راحت تكنس ساحة بيتها وهي تحاذر أن يندلق نهداها من فتحة الفستان.
      تلك المرأة التي عينها مثل فتحة الفنجان، توقفت عن الكنس لحظة، رنت بعينيها إلى الحافلة التي تقل فوج السياح، فيما الحافلة تتوقف لحظة عند المنعطف. وقعت عيناها دون قصد على عيني ذلك الرجل الذي لم يشبع بعد من متعة السفر،  ابتسم لها وابتسمت له دون وجل.
      ذلك الرجل، ما زال يسأل نفسه: ما الذي فعلته المرأة بعد أن انتهت من كنس الساحة؟ هل بقيت واقفة هناك أم اتجهت الى المطبخ أو الى غرفة النوم؟ هل غسلت صحونها في المجلى أم اضطجعت بعض الوقت في فراغ السرير؟  وهل تتذكره مثلما يتذكرها الآن؟
      ويحيره السؤال: هل ما زالت تلك المرأة على قيد الحياة بعد تلك السنوات الطوال؟


الأربعاء، 24 يناير 2018

تمزق





*قصة: محمود شقير

         وحده في البيت، والليل لا يسمح بأي تواصل، والمطر ينقر زجاج النافذة دون انقطاع. وهو وحيد، وأخته التي ماتت البارحة بعد مرض عضال، تنام في قبرها ولا تسمع صوت المطر، وأمه تنام في بيتها المنعزل ، أو ربما هي لا تنام ، ولعلها جالسة في فراشها تبكي ابنتها المتوفاة.

         وأخته الأخرى تنام الآن في بلد بعيد، أو ربما لم يعرف النوم طريقه إلى جفنيها. أخبرها على الهاتف وهو يشرق بدموعه، أن أخته ماتت. بكت الأخت الأخرى وحمل الهاتف إليه صوت البكاء. بكت لأن أختها لم تظفر طوال حياتها بزوج وأطفال.

         وأبوه يلملم عظامه ويصحو على ابنته التي دفنت إلى جواره، يسألها عن الأهل والأحباب، فلا تجيبه لأنها ما زالت تحلم بأنها لم تتحرر بعد من مرضها العضال.

        وهو الآن وحيد، يشفق على والده الذي لا يعرف أن العائلة تمزقت من بعده، ولم يعد أحد فيها يلتفت إلى أحد إلا حينما يحضر الموت. والوالد يلح على ابنته المتوفاة بالسؤال، وهي لا تجيبه لأنها تريد أن تمارس موتها مثلما تشاء.

       والمطر الذي ينقر الزجاج يتوقف بغتة، وهو لم يعد وحيداً في هذا الليل الجائر، فها هو ذا والده، يقترب منه بغتة، يربت على كتفه برفق، ويجلس على الكنبة إلى جواره حتى الصباح .



الجمعة، 12 يناير 2018

فستان



قصة: محمود شقير

كان ذلك في زمان مضى.
          لا كره ولا بغضاء، والناس بسطاء تماماً، والنساء طيبات، والأطفال على قدر كبير من النباهة، والكلاب لا تنبح إلا على نحو خافت، كيلا توقظ نائماً أو تزعج مريضاً يتقلب في الفراش ، والقطط تنام على الأسوار أو تحت معرشات العنب، دون أن يباغتها طفل مشاغب أو كلب شرس، والفئران لا وجود لها، لأن الأمكنة كانت نظيفة.
          والأرملة التي في الأربعين، لها ولد واحد، ذهب إلى الجامعة البعيدة، ولها بنتان لا تزالان في المدرسة. تعد لهما الأرملة كل صباح طعام الفطور، ثم تمضي نحو حديقة بيتها، تربت على رقبة الكلب الودود، تترك القط نائماً بكل اطمئنان، وتنهمك بعض الوقت في سكب الماء تحت سيقان الورد والياسمين.
         ولا يخرجها من عاداتها اليومية سوى بائع الملابس المتجول، الذي أهداها فستاناً يليق بجسدها المتين، ترددت وقتاً، ولم تجد بداً من الموافقة على قبول الهدية في نهاية المطاف.
         كان ذلك في زمان مضى، الناس بسطاء والنساء طيبات.
         والأرملة أصبحت شريكة للرجل في تجارته، تبيع الفساتين لنساء الحي، وهو في الحديقة يسكب الماء تحت سيقان الورد والياسمين.


السبت، 30 ديسمبر 2017

فرص



قصة: محمود شقير

بنات الحي كلهن تقريباً رفضنه، لأنه أطول مما ينبغي، وأكثر نحافة مما ينبغي.
        انزوى في بيته البائس خمس سنوات. ظل خلالها يقرأ التعاويذ والأدعية، ويمارس طقوساً استقاها من كتب وجدها في مكتبة جده الذي مات.
        خرج الى الحي كائناً جديداً. وبنات الحي كلهن تقريباً رفضنه، لأنه أقصر مما ينبغي، وأكثر بدانة مما ينبغي.
        انزوى في بيته هذه المرة عشر سنوات. خرج إلى الحي كائناً مختلفاً.
         يذكر محياه الوسيم بأبطال الحكايات، وتوحي عضلات صدره وذراعيه، وانسجام قده من رأسه حتى قدميه، بأنه واحد من نجوم السينما المشهورين هذه الأيام.
         بنات الحي كلهن تقريباً تهافتن عليه، كل واحدة منهن تتمناه في السر وفي العلن زوجاً أو عشيقاً، فلم يرقن له، لأنه وجدهن عوانس مترهلات.
         انطلق في أرجاء الدنيا وحيداً، يبحث عن امرأة على هواه.
         وبنات الحي ما زلن جالسات على قارعة الطريق، في انتظار فارس أحلامهن الذي غاب.